فوزي آل سيف

59

الأعظم بركة الإمام محمد الجواد

الثانية: يضاف إلى ذلك أن الإمام الجواد عليه السلام رجع - سريعاً - إلى المدينة المنورة وبقي فيها من حوالي سنة 205 ه‍ إلى عشر سنوات تلتها، فلم يأت إلى بغداد وبالتالي كان في خارج دائرة الضوء، ومنطقة الصراع السياسي في بغداد، وهذا مكّنه من ممارسة أدواره التبليغية والارشادية ونشر علوم آبائه وتربية تلاميذه وتلاميذ أبيه الرضا، ولعل من الملفت للنظر أننا نجد أن الرواة عن الإمام والتلامذة له، بلغ عددهم 193 راويًا كما عدهم الشبستري[131]. ولمعرفة الجهد العلمي الذي بذله الإمام الجواد عليه السلام في المدينة المنورة يكفي مراجعة كتاب مسند الامام الجواد للشيخ العطاردي. وقد انتهت هذه المرحلة بموت عبد الله المأمون العباسي سنة 218 ه‍، لتبدأ بعدها مرحلة شديدة زمان أخيه محمد المعتصم العباسي بن هارون (تولى الحكم من 218 الى 227 ه‍)، وهي متأثرة إلى حد كبير بشخصية المعتصم نفسه الذي كان كما مر في صفحات سابقة لا يحب العلم ولا يقدر أصحابه، وبالتالي فإن الإمام الجواد بالنسبة له لا يمثل شخصًا مهمًّا، بل إنه يصنف على أعدائه لما كان يعيشه العباسيون من هاجس المنافسة بينهم وبين الطالبيين، الأمر الذي كان يؤججه حصول ثورات من أحفاد آل أبي طالب (حسنيين وحسينيين). وهو لا يرى الإمام الجواد إلا ضمن هذا الإطار. وزاد الطين بِلة وجود قضاةٍ وعلماء سيئين لديه، يحرضونه على الإمام وشيعته، كأحمد بن أبي دؤاد، فبالرغم من سوء يحيى بن أكثم ونظرائه من القضاة إلا أن سوءه لم يبلغ مرحلة تحريض الحاكم على عالم من علماء أهل البيت، فأقصى ما كان يقوم به مثل يحيى هو محاولة إحراج الإمام بأسئلة صعبة في رأيه، لكن هذا الوافد الجديد إلى بلاط المعتصم وهو أحمد بن أبي دؤاد الأيادي - سبقت ترجمته - تجاوز هذا المقدار ليحرّض المعتصم على الإمام الجواد مشيرًا عليه - كذبًا - بأن لديه القوة الكافية والنية للانقلاب عليه كما زعم حيث أنه يقول بإمامته شطر الأمة ونصفها! الثالثة: إننا نلحظ: أن المعتصم العباسي لم يصبر على وجود الإمام وبقائه في المدينة فاستجلبه إلى بغداد في نفس السنة التي تولى فيها الحكم (19 رجب 218ه‍) ثم لم يصبر على بقاء الإمام فقام باغتياله بالسم في نهاية سنة 220 ه‍، وبقرينة أن الإمام عليه السلام قد حج في تلك السنة فنحن نحتمل أن قدومه إلى بغداد - مكرَهاً - كان في بدايات سنة 219 ه‍. باعتبار أن المعتصم العباسي قد تولى الحكم بعد موت المأمون في شهر رجب 218 ه‍.

--> 131 الشبستري؛ عبد الحسين: سبل الرشاد إلى أصحاب الإمام الجواد ص ٢٨٥